السيد كمال الحيدري
63
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
رابعاً : إنَّ العلاقة بين الخلق والأسماء لا تقف عند أصل الخلق ، وإنما تستمرّ باستمرار وجوده ، وبعبارة أُخرى : إنَّ العلاقة المذكورة ليست خاصّة بالكمال الأوّلي للخلق ومفاد كان التامّة ، وإنما تمتدّ للكمالات الثانوية ومفاد كان الناقصة أيضاً ، ويترتّب على ذلك أنَّ التكامل المنوط بالسعي والحركة عن اختيار ، ولو على مستوى الدعاء الذي عادة لا يكون إلا عن وعي وقصد ، يكون المقصود هو الاسم المناسب له ، لأنه هو الذي يقوم بدور التأثير في الكمال المطلوب . وعندما نُفتّش في لا وعي العموم ونُراقب تعبيراتهم العفوية مع الله تعالى نلحظ بقوّةٍ انسجامها الكامل مع هذه الحقيقة ، فالمريض لا يدعو ربه باسم : ( المُميت ) ، وإنما يدعوه باسم : ( الشافي والمُعافي ) ، والفقير لا يدعوه باسم : ( القابض ) ، وإنما يدعوه باسم : ( المُعطي والرازق والكريم . . . ) ، والضالّ إنما يدعوه باسم : ( الهادي ) لا باسم : ( المُضلّ ) ، وهكذا . مع أنَّ المُحيي والمميت ، والباسط والقابض ، والهادي والمُضلّ - وبقية الأسماء الإلهية المُتقابلة في المفهوم والأثر - كلّها على حدّ سواء على مستوى الذات ، بل حتى في الاسم الواحد قد يختلف القصد ، فالتاجر - مثلًا - يدعو ربَّه باسم : ( الرازق ) ، وهو يقصد الرزق المادّي ، فيرتبط بالله تعالى من حيث إنه مُعطي المال ، في حين إنَّ العالم يدعو ربّه باسم : ( الرازق ) أيضاً ، ولكن لحاجته إلى العلم ، فيرتبط بالذات من حيث هي مُتحيِّثة بعطاء العلم . من هنا يتّضح أيضاً أنَّ استنجاد المريض والجائع بكلمة عامّة ، مثل : ( يا الله ) إنما تعني بالتحليل والواقع الذي عليه قصد الداعي إلى : ( يا شافي ، يا مُطعم ) ، وما شابه ذلك ، لأنَّ كلًا منهما يستنجد بالذات من الحيثية التي يحتاجها ، وتكون مصدراً لرفع نقصه وأداء حاجته . فيتبلور لنا ممَّا تقدَّم أنَّ الارتباط والدعاء والاستغاثة لا تتحقّق حقيقة